العودة لأفكار أودل
حين تعرف الخدمة ما تحتاجه قبل أن تطلبه
تجربة العملاء•10 دقائق قراءة

حين تعرف الخدمة ما تحتاجه قبل أن تطلبه

6 سبتمبر 2026

لطالما كان أحد طموحات تصميم الخدمات أن نجعل حصول الإنسان على ما يحتاجه أسهل.

أن نقلل الخطوات، ونختصر الوقت، وألا نطلب منه معلومة نعرفها أصلًا، وأن نوصل إليه الخدمة بأقل قدر ممكن من البحث والانتظار والجهد.

لكن ماذا لو استطعنا أن نذهب أبعد من ذلك؟

ماذا لو لم ننتظر أن يطلب الإنسان الخدمة أصلًا؟

ماذا لو استطاعت جهة ما، من خلال البيانات التي تملكها عنه، أن تعرف أنه أصبح مؤهلًا لمنفعة مالية قبل أن يبحث عنها، أو أن تتوقع أن طفله يحتاج إلى دعم تعليمي إضافي قبل أن يطلب الوالدان المساعدة، أو أن تستنتج أن تغيرًا طرأ على ظروفه يجعله بحاجة إلى خدمة لم يكن يعرف بوجودها؟

مع توافر البيانات، واتساع الربط بينها، وتطور قدرات الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الأنماط والتنبؤ بالاحتياجات، لم تعد مثل هذه السيناريوهات بعيدة.

وقد يبدو هذا، للوهلة الأولى، الصورة المثالية للخدمة.

خدمة لا تنتظر الإنسان حتى يعرف ماذا يريد، ويعرف أين يذهب، وكيف يتقدم، وما الذي يستحقه.

بل خدمة تعرفه بما يكفي لتأتي إليه في الوقت المناسب.

لكن ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه قبل الاحتفاء بهذا المستقبل هو:

هل نريد دائمًا أن تعرف الخدمة ما نحتاجه قبل أن نطلبه؟

والأهم:

هل نريد دائمًا أن تخبرنا بما عرفته؟

عندما لا يكون سماع التوصية تجربة محايدة

لنتخيل أن جهة ما تملك بيانات كافية عن دخل أحد الأشخاص والتزاماته المالية وظروفه الاجتماعية.

ومن خلال تحليل هذه البيانات، استطاع نظام ذكي أن يستنتج أن هذا الشخص قد يكون مناسبًا لأحد برامج الدعم أو المنتجات التمويلية الميسرة.

من منظور تصميم الخدمة، تبدو هذه فرصة ممتازة.

بدل أن يبحث المستفيد عن الخدمة، تستطيع الجهة أن تصل إليه وتقول:

بناءً على بياناتك، قد تكون مؤهلًا للحصول على هذا المنتج.

قد تكون المعلومة صحيحة.

وقد تكون الخدمة مفيدة.

وقد توفر على الإنسان جهدًا كبيرًا.

لكن ماذا يسمع الإنسان عندما تصله هذه الرسالة؟

ربما لا يسمع:

هناك خدمة قد تناسبك.

بل يسمع:

نحن نعرف أن وضعك المالي ليس جيدًا.

وربما يسأل نفسه:

كيف عرفتم ذلك؟

ما البيانات التي اطلعتم عليها؟

وماذا استنتجتم عني أيضًا؟

وقد تكون الخدمة نفسها مرغوبة، بينما تكون الطريقة التي وصل بها النظام إلى اقتراحها غير مريحة للمستفيد.

وهنا يظهر فرق مهم بين أن تساعد الإنسان بناءً على ما تعرفه عنه، وبين أن تجعله يشعر فجأة بحجم ما تعرفه عنه.

أحيانًا يكون التنبؤ صحيحًا… ومع ذلك لا يكون من المناسب قوله بهذه البساطة

خذ مثالًا مختلفًا.

طفل لم يتجاوز أحد المقررات الدراسية بالمستوى المتوقع.

تملك المنظومة التعليمية سجله السابق، ودرجاته، وأنماط إجاباته، وغيابه، وربما عشرات المؤشرات الأخرى التي لا يراها الوالدان مجتمعة.

يحلل النظام هذه البيانات ويستنتج أن الطفل معرض للتعثر، وأن الأفضل إلحاقه ببرنامج تعليمي مكثف.

قد يكون النموذج دقيقًا.

وقد يكون التدخل المبكر مفيدًا فعلًا.

لكن ماذا يحدث عندما تصل إلى الأب أو الأم رسالة تقول:

تشير بيانات ابنكم إلى حاجته إلى تدخل تعليمي مكثف.

هل سيستقبلانها كتوصية؟

أم كحكم على قدرات طفلهم؟

هل سيشعر الطفل لاحقًا بأنه أصبح الطالب المتعثر؟

وهل سيتعامل معه معلمه ووالداه بطريقة مختلفة لمجرد أن نظامًا توقع مسارًا محتملًا لمستقبله؟

المشكلة هنا ليست بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي أخطأ.

ربما يكون محقًا تمامًا.

لكن بعض التنبؤات، بمجرد أن نقولها للبشر، قد تغير سلوكهم تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين.

وهذا يجعل أثر التنبؤ أكبر من دقته الإحصائية.

فليس السؤال فقط:

هل يستطيع النظام اكتشاف المشكلة مبكرًا؟

بل أيضًا:

كيف نقول للإنسان ما اكتشفناه دون أن نحول الاحتمال إلى هوية، أو التوصية إلى حكم؟

هناك فرق بين أن تعرف الخدمة… وأن أعرف أنا أنها تعرف

معظمنا أصبح معتادًا، بدرجات متفاوتة، على وجود بياناته لدى المؤسسات التي يتعامل معها.

نعرف أن البنك يحتفظ بتاريخ تعاملاتنا.

وأن الجهة الصحية تعرف زياراتنا السابقة.

وأن المدرسة تعرف أداء أبنائنا.

وأن الجهات الحكومية تمتلك معلومات كثيرة ترتبط بنا.

لكن هناك فرق نفسي كبير بين معرفة أن هذه البيانات موجودة، وبين أن ترى أمامك دليلًا على أنها تُربط وتُحلل ويُستنتج منها شيء لم تقله أنت بنفسك.

أن تعرف جهة ما دخلي شيء.

وأن تستنتج أنني أمر بضائقة مالية شيء آخر.

أن تعرف درجات ابني شيء.

وأن تتنبأ بأنه معرض للتعثر مستقبلًا شيء آخر.

أن تعرف تاريخي الصحي شيء.

وأن تخبرني، قبل أن أسأل، بأنها ترى في بياناتي مؤشرات على خطر صحي محتمل شيء مختلف تمامًا.

لذلك، ربما لا يكون السؤال المتعلق بالخصوصية في الخدمات الذكية هو فقط:

هل سمح الإنسان بجمع هذه البيانات؟

فهناك سؤال آخر قد يصبح أكثر أهمية:

هل يتوقع الإنسان أن تُستخدم بياناته للوصول إلى هذا النوع من الاستنتاجات؟

فقبول الإنسان بجمع بياناته لا يعني بالضرورة قبوله بكل ما يمكن استنتاجه منها.

قد نكون جاهزين تقنيًا قبل أن نكون جاهزين إنسانيًا

قد تمتلك المنظمة البيانات.

وقد تستطيع ربطها وتحليلها.

وقد يكون النموذج قادرًا على التنبؤ بدرجة عالية من الدقة.

وقد تكون البنية التقنية جاهزة لتقديم خدمة استباقية بالكامل.

لكن الجاهزية التقنية لا تعني بالضرورة أن المستفيد جاهز للتجربة نفسها.

فالإنسان لا يتعامل مع البيانات بالطريقة التي تتعامل بها الأنظمة.

النظام يرى مجموعة من المتغيرات والعلاقات والاحتمالات.

أما الإنسان فقد يرى نفسه داخل هذه البيانات.

وضعه المالي.

صحته.

أطفاله.

وظيفته.

أسرته.

اختياراته.

وربما أشياء لم يكن يتوقع أن جهة ما تستطيع معرفتها عنه.

لذلك، كلما توسعت قدراتنا على الاستنتاج، قد نحتاج إلى قياس شيء لم نكن نقيسه كثيرًا من قبل:

الاستعداد البشري للخدمة الذكية.

هل يفهم المستفيد كيف تستخدم بياناته؟

هل يتوقع نوع الاستنتاجات التي قد تنتج عنها؟

هل يشعر بالارتياح لتلقي توصيات استباقية؟

هل يفضل أن يُسأل أولًا؟

وهل تختلف إجابته بحسب حساسية الموضوع؟

فربما يتقبل معظم الناس بسهولة أن تقول لهم الخدمة:

ستنتهي وثيقتك بعد ثلاثين يومًا.

لكن رد الفعل قد يكون مختلفًا تمامًا عندما تقول:

استنادًا إلى بياناتك المالية، نعتقد أنك بحاجة إلى هذا النوع من الدعم.

التقنية في الحالتين قد تستخدم المنطق نفسه.

لكن التجربة الإنسانية ليست واحدة.

 

أن تعرف، وأن تشارك، وأن تتصرف

ربما نحتاج لذلك، إلى ألا نتعامل مع الخدمة الاستباقية وكأنها درجة واحدة.

هناك على الأقل ثلاثة أشياء مختلفة يمكن للخدمة أن تفعلها.

أولًا، أن تعرف.

أن تستخدم البيانات لتستنتج وجود احتياج محتمل.

ثانيًا، أن تشارك.

أن تعرض على الإنسان استنتاجها أو توصيتها.

وثالثًا، أن تتصرف.

أن تبدأ إجراءً، أو تغير مسار الخدمة، أو تتخذ خطوة بالنيابة عنه.

ولا يعني قبول أحد هذه المستويات أننا يجب أن نقبل المستويات التي تليها.

قد يكون من المفيد أن يعرف النظام أن طالبًا معرض للتعثر حتى يستطيع المعلم مراقبة وضعه بصورة أفضل، لكن ليس من الضروري أن تصل إلى الأسرة رسالة حاسمة من أول مؤشر.

وقد يكون مناسبًا أن يعرف النظام أن شخصًا قد يكون مؤهلًا لدعم معين، ثم يعرض عليه بصورة محايدة أن هناك خدمات ربما تناسب ظروفه، دون أن يخبره بالتفصيل عن التصنيف الذي وضعه فيه.

وقد يكون من المقبول أن تنبهني الخدمة إلى قرب انتهاء وثيقة، بل وربما أن تجهز التجديد لي مسبقًا، بينما لا أريد منها أن تبدأ تلقائيًا في منتج مالي لأنها استنتجت أنني بحاجة إليه.

الاستباقية ليست سؤالًا من نوع:

نعم أم لا؟

بل سؤال:

إلى أي درجة؟

 

ليست كل معرفة يجب أن تتحول إلى رسالة

في عالم الخدمات التقليدية، كانت إحدى المشكلات الكبرى أننا لا نعرف عن المستفيد ما يكفي.

لكن مع الذكاء الاصطناعي قد نواجه المشكلة المعاكسة.

قد نعرف الكثير.

وربما أكثر مما يحتاجه تقديم الخدمة نفسها.

وهنا تظهر مسؤولية جديدة في تصميم التجربة.

فمجرد قدرتنا على الوصول إلى استنتاج لا تعني أنه ينبغي أن نظهره للمستفيد بالطريقة نفسها.

بعض الاستنتاجات يمكن تحويلها مباشرة إلى توصية.

وبعضها يحتاج إلى صياغة محايدة.

وبعضها يحتاج إلى شرح للسياق.

وبعضها قد يستحق تدخلًا بشريًا قبل عرضه.

وبعضها ربما يكون الأفضل أن يستخدم لتحسين الخدمة في الخلفية دون أن يتحول إلى تصنيف ظاهر أمام الإنسان.

فالغاية ليست أن نثبت للمستفيد مدى ذكاء النظام.

بل أن نستخدم هذا الذكاء بطريقة تساعده.

 

الخدمة الأذكى ليست التي تقول كل ما تعرفه

من السهل أن نقيس تطور الخدمات الذكية بقدرتها على معرفة المزيد عن المستفيد.

كلما زادت البيانات، أصبح التخصيص أفضل.

وكلما تحسنت النماذج، أصبحت التنبؤات أدق.

وكلما أصبحت الأتمتة أكبر، قل تدخل الإنسان.

لكن ربما تكون هناك علامة أخرى على نضج هذه الخدمات.

أن تعرف متى تستخدم ما تعرفه.

أن تميز بين المعلومة العادية والمعلومة الحساسة.

وبين الحقيقة والاحتمال.

وبين التوصية والحكم.

وبين ما يستطيع النظام فعله وما ينبغي له أن يفعله.

وأن تدرك أن لحظة الكشف عن الاستنتاج قد تكون جزءًا من تجربة الخدمة بقدر أهمية الاستنتاج نفسه.

فالخدمة الذكية ليست فقط التي تعرف أنك تحتاج إلى شيء قبل أن تطلبه.

بل التي تعرف أيضًا:

متى تخبرك.

وكيف تخبرك.

ومقدار ما ينبغي أن تخبرك به.

ومتى تطلب إذنك.

ومتى تتوقف.

ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، قد يصبح السؤال -هل تستطيع المؤسسات توقع احتياجاتنا؟- أقل أهمية بمرور الوقت.

لأن الإجابة، في عدد متزايد من الحالات، ستكون نعم.

السؤال الأصعب سيكون:

ماذا يحق لها أن تفعل بما عرفته؟

وربما يكون مستقبل الخدمات الأفضل ليس ذلك الذي تعرف فيه المؤسسات كل ما نحتاجه وتتصرف نيابة عنا.

بل ذلك الذي تستطيع فيه أن تعرف الكثير عنا، ومع ذلك تحافظ على المسافة التي تجعل الإنسان يشعر بأن الخدمة تفهمه دون أن تتجاوزه، وتساعده دون أن تصنفه، وتتقدم نحوه دون أن تسلب منه حقه في الاختيار.

 

مفارقة أخيرة قبل أن تصبح المشكلة في المستفيد!

تخيّل أن إحدى الجهات أطلقت خدمتها الاستباقية الجديدة.

الخدمة تحلل بيانات المستفيدين، وتتوقع احتياجاتهم، وتقترح عليهم ما تعتقد أنه الأنسب لهم قبل أن يطلبوه.

وبعد أشهر من الإطلاق، اجتمع الفريق لمراجعة الأداء.

كل المؤشرات كانت تبدو جيدة.

دقة التنبؤ مرتفعة.

زمن تقديم الخدمة انخفض.

عدد الخطوات تقلص.

ونسبة كبيرة من المستفيدين حصلوا على خدمات لم يكونوا يعرفون أصلًا أنهم مؤهلون لها.

لكن بقي مؤشر واحد يثير القلق:

– نسبة المستفيدين الذين تقبلوا ما استنتجه النظام عنهم من أول مرة –

كانت النسبة أقل من المستهدف.

بعض المستفيدين تساءلوا كيف وصلت الجهة إلى هذه الاستنتاجات.

وبعضهم شعر أن التوصيات أكثر تدخلًا مما ينبغي.

وبعضهم، ببساطة، لم يتفق مع الصورة التي رسمها النظام عنه.

وهنا يبدأ الاجتماع الحقيقي.

هل المشكلة في دقة النموذج؟

لا، فالدقة ممتازة.

هل المشكلة في الخدمة؟

الأرقام تقول إنها مفيدة.

إذن، لا بد أن المشكلة في المستفيد نفسه.

وبعد عدة ورش عمل، وتحليل للتعليقات، واجتماعات مع فرق البيانات والتجربة والتواصل، يظهر أخيرًا تصنيف جديد في لوحة المؤشرات:

– المستفيدون غير المتقبلين للاستباقية –

ثم، مع مزيد من النضج التحليلي، ينقسمون إلى شرائح أكثر دقة:

مترددون في مشاركة البيانات.

منخفضو الثقة في التوصيات الخوارزمية.

حساسون تجاه التصنيف الآلي.

وربما، إذا استمر أحدهم في الاعتراض:

مقاومون للتحول الذكي.

وهكذا نكون قد استخدمنا الذكاء الاصطناعي أولًا لنستنتج ما يحتاجه المستفيد.

ثم استخدمناه لنفهم لماذا لم يعجبه ما استنتجناه عنه.

ثم صنفناه بناءً على اعتراضه على التصنيف.

وعندها قد يظهر اقتراح جديد على شاشة الفريق:

نوصي بتطوير تدخل استباقي لرفع تقبل هذه الشريحة للخدمات الاستباقية.

فتُغلق الحلقة بنجاح.

فالخدمة لم تعد فقط تعرف ما تحتاجه قبل أن تطلبه…

بل أصبحت تعرف أيضًا لماذا لا يعجبك أنها تعرف.

وفي لوحة المؤشرات، بطبيعة الحال، سيُسجل ذلك تحت بند:

فهم أعمق للمستفيد.

— مزحة مؤسسية… إلى أن تصبح مؤشر أداء فعليًا.

 

شكرًا لكم …

فريق المكتبة المعرفية

أودل

الرياض …

العودة لأفكار أودل