العودة لأفكار أودل
ماذا يحدث عندما تختفي التطبيقات من أمام المستخدم؟
الأتمتة والتحول الرقمي•8 دقائق قراءة

ماذا يحدث عندما تختفي التطبيقات من أمام المستخدم؟

26 أكتوبر 2026

ماذا يحدث عندما تختفي التطبيقات من أمام المستخدم؟

 

في كل مرة ظهرت فيها تقنية تعد بقتل الوسيط، وُلد وسيط جديد أكبر منه.

 

كان السمسار يعرف البائع والمشتري، ويمتلك المعلومة، ويأخذ عمولته مقابل الجمع بين الطرفين. ثم جاءت التقنية ووعدتنا بعلاقة أكثر مباشرة: المشتري سيصل إلى البائع، والمسافر سيصل إلى الفندق، والتاجر سيصل إلى المصنع، وصاحب الشحنة سيصل إلى الناقل، من دون الحاجة إلى سلسلة طويلة من الوسطاء.

وبالفعل، اختفى كثير من الوسطاء التقليديين.

لكن الوساطة نفسها لم تختف.

تحولت من شخص يحمل دفتر أرقام إلى منصة تحمل ملايين المستخدمين. وأصبحت التطبيقات التي كان يفترض أن تقرّب أطراف السوق من بعضها هي النقطة التي يجب أن يمر الجميع من خلالها. فهي التي تجمع الطلب، وترتب الخيارات، وتقرر من يظهر أولًا، وتنفذ الدفع، وتضع شروط العلاقة، ثم تأخذ نصيبها من كل عملية.

قُتل الوسيط الصغير، وولد الوسيط الكبير.

واليوم قد نكون أمام تحول جديد. ليس لأن الناس لم يعودوا بحاجة إلى خدمات التوصيل أو السفر أو التجارة أو التمويل أو النقل، بل لأنهم قد لا يعودون بحاجة إلى الذهاب بأنفسهم إلى التطبيقات التي تقدمها.

وهذا ليس تحولًا في شكل الشاشة فقط. إنه تحول محتمل في موقع القوة داخل السوق، وفي طريقة تكوّن الأسعار، وفي توزيع الهوامش بين البائع ومقدم الخدمة والوسيط، وفي الجهة التي ستملك العلاقة مع العميل.

عندما لا يحتاج العميل إلى اختيار التطبيق

لنفترض أنك تريد طلب العشاء.

اليوم ستفتح أحد تطبيقات التوصيل، وتبحث عن المطاعم، وتقارن الأسعار، وتراجع وقت الوصول، وتضيف الأصناف إلى السلة، وتبحث عن عرض مناسب، ثم تنفذ الطلب. وقد تنتقل إلى تطبيق آخر لتتأكد أن المطعم نفسه لا يقدم سعرًا أفضل أو وقت توصيل أقصر.

في الشكل القادم، لن تبدأ رحلتك باختيار التطبيق، بل بوصف النتيجة التي تريدها:

«أريد عشاءً لأربعة أشخاص، يصل قبل الثامنة والنصف، ولا يتجاوز 160 ريالًا، ومن مكان تقييمه مرتفع».

ستنتهي مهمتك هنا تقريبًا. ستبحث الواجهة التي تتعامل معها في الخيارات المتاحة، وتقارن أسعار المطاعم، وتكاليف التوصيل، وأوقات التجهيز، وتوافر السائقين، والتقييمات والعروض، ثم تكوّن أفضل طلب وتنفذه بعد موافقتك.

لكن الطعام ليس إلا المثال الأبسط.

قد تقول:

«رتّب لي رحلة عمل إلى الرياض يومين، على أن أصل قبل الاجتماع بساعتين، وأسكن قريبًا منه، ولا تتجاوز الرحلة ميزانية محددة».

عندها لا تحتاج إلى فتح تطبيق للطيران، وآخر للفنادق، وثالث للنقل، ورابع للتأمين. المطلوب هو رحلة تحقق شروطك، أما تركيبها من عدة خدمات فيحدث خلف الواجهة.

وقد تقول بصفتك صاحب عمل:

«أحتاج إلى توريد هذه الكمية من مواد البناء إلى ثلاثة مواقع خلال أسبوعين، مع التخزين والنقل والتأمين».

بدل أن تتواصل مع مورد، ثم ناقل، ثم مستودع، ثم شركة تأمين، يمكن أن يتكون لك عرض متكامل من أطراف مختلفة بحسب السعر والتوافر والقدرة على الالتزام.

وقد تطلب من جهة واحدة أن تقارن عروض التمويل، أو ترتب شحنة دولية، أو تجد خبيرًا لمهمة محددة، أو تجدد اشتراكات شركتك بالشروط الأفضل، من دون أن تعرف مسبقًا التطبيقات والمنصات التي ستنفذ كل جزء.

المستخدم هنا لا يختار الأداة أولًا، بل يعبّر عن المقصد. وبدل أن يقول: «أي تطبيق أفتح؟»، سيقول: «ما الذي أريد إنجازه؟».

من يدخل عالم الآخر؟

بُنيت التطبيقات الحالية على افتراض بسيط: إذا أراد العميل خدمتك، فعليه أن يأتي إليك.

يحمّل تطبيقك، وينشئ حسابًا، ويدخل بياناته، ويتعلم طريقة تصنيفك للخدمات، ويبحث داخل الحدود التي وضعتها، ويستخدم وسيلة الدفع التي تقبلها، ويتبع خطوات الرحلة التي صممتها له.

حتى عندما تكون حاجته موزعة بين عدة أطراف، يُطلب منه أن يقسمها بنفسه إلى أجزاء تتناسب مع التطبيقات المتاحة. يحجز الرحلة من مكان، والسكن من مكان، والنقل من مكان. أو يشتري البضاعة من مورد، ثم يبحث عن ناقل، ثم يتفق مع مستودع، ثم يجمع الفواتير ويتابع التنفيذ بين الجميع.

بمعنى آخر، التطبيق الحالي يحاول إدخال العميل إلى عالمه.

أما الخدمة القادمة فستحاول إدخال نفسها في عالم العميل.

لن تطلب منه أن يعيد صياغة حاجته وفق قوائمها وحقولها. ستستقبل حاجته كما يفهمها هو، ثم تعرض الجزء الذي تستطيع تنفيذه ضمن السياق الكامل لما يريد.

إذا كان العميل مسافرًا، تدخل شركة الطيران في رحلة خطّطها العميل، بدل أن يدخل العميل إلى عالم شركة الطيران. وإذا كان يبني مشروعًا، يدخل المورد والناقل والمخزن والممول في خطة المشروع، بدل أن يتنقل صاحب المشروع بين عوالمهم المنفصلة. وإذا كان يبحث عن عشاء، تدخل خيارات المطاعم والتوصيل في ليلته وميزانيته وتفضيلاته، بدل أن يقضي ليلته يتصفح القوائم.

هذا التحول يعيد تعريف ما نعدّه «واجهة».

الواجهة لن تكون بالضرورة شاشة شركة محددة، بل طبقة تمثل المستخدم وتحمل سياقه وتفضيلاته وهويته ووسائل دفعه، ثم تستدعي الخدمات التي يحتاج إليها متى احتاج إليها.

التطبيقات لن تختفي تقنيًا. ستظل هناك أنظمة تدير المخزون والحجوزات والرحلات والمدفوعات والعملاء. لكنها قد تتحول من وجهات نزورها إلى قدرات تعمل في الخلفية.

وهنا تتغير وحدة المنافسة نفسها: لن تتنافس الشركات فقط على أن يفتح المستخدم تطبيقها، بل على أن تكون خدمتها هي الأنسب للدخول في عالمه في اللحظة التي يحتاج إليها.

من يملك الطلب يملك الهامش

لفهم الأثر الاقتصادي، يجب أن نسأل أولًا: لماذا تستطيع منصات الوساطة الحالية اقتطاع جزء كبير من العملية؟

السبب ليس التقنية وحدها. السبب أنها تجمع الطلب.

المطعم يستطيع إعداد الطعام، والسائق يستطيع توصيله، والفندق يستطيع توفير الغرفة، والمصنع يستطيع إنتاج البضاعة؛ لكنهم جميعًا يحتاجون إلى العميل. والمنصة تعدهم بأنها تعرف مكانه، وتجلبه، وتبني ثقته، وتجعله يبدأ رحلته من داخلها.

لهذا لا تبيع المنصة خدمة تقنية فقط، بل تبيع الوصول إلى الطلب.

وبمرور الوقت، يظهر أثر الشبكة: كلما زاد عدد العملاء أراد الموردون الانضمام، وكلما زاد عدد الموردين أصبحت المنصة أكثر جاذبية للعملاء. ثم يصبح الخروج منها مكلفًا للطرفين، وتتحول العمولة من مقابل لخدمة محددة إلى رسم عبور في طريق يصعب تجنبه.

لا يعني ذلك أن عمولة المنصة بلا قيمة. فهي تنفق على التسويق، وتطوير التقنية، والتحقق من الموردين، وتنفيذ المدفوعات، وخدمة العملاء، وحل النزاعات، وأحيانًا التشغيل والنقل والضمان. لكن قوتها الاقتصادية الحقيقية تأتي من أنها تقف عند بداية الطلب ونهايته.

إذا انتقلت بداية الطلب إلى واجهة أخرى تمثل العميل، يبدأ هذا الامتياز في الضعف.

لن يكون السؤال: «أي منصة سأستخدم؟»، بل: «أي مجموعة من الخدمات تستطيع تنفيذ طلبي بالشروط الأفضل؟».

وعندما تستطيع واجهة العميل أن تطلب عروضًا من عدة منصات وموردين ومقدمي خدمات في الوقت نفسه، تصبح كل منصة واحدة من الخيارات، لا السوق الوحيد الذي يرى العميل من خلاله العالم.

هنا قد يبدأ أكبر تحول في اقتصاد المنصات: انفصال امتلاك الطلب عن تنفيذ الخدمة.

من عمولة مجمعة إلى هوامش تتكون لحظيًا

في النموذج الحالي، تجمع المنصة عدة وظائف داخل عملية واحدة، ثم تأخذ عمولة أو رسومًا مبنية على قيمة العملية كاملة. قد تشمل هذه الوظائف الاكتشاف والمقارنة والدفع والتوصيل والضمان وخدمة العملاء، وقد يصعب على البائع أو العميل معرفة تكلفة كل وظيفة على حدة.

أما في النموذج المتوقع، فقد تتفكك العملية إلى قدرات مستقلة:

البائع يقدم المنتج وسعره ووقت تجهيزه.

الناقل يقدم قدرته وسعره وموعد التنفيذ.

المستودع يقدم المساحة المتاحة وتكلفة التخزين.

مزود الدفع يقدم وسيلة التسوية وتكلفتها.

شركة التأمين تسعّر مخاطر العملية.

مزود الضمان يحدد ما يتحمله عند الإخفاق.

خدمة التنسيق تجمع هذه العناصر وتتابع تنفيذها.

عندها لا يعود هناك هامش واحد كبير يفرضه وسيط يملك الرحلة كاملة، بل مجموعة هوامش تتكون لحظيًا بحسب القيمة التي يقدمها كل طرف.

السائق القريب قد يقدم سعرًا أقل لأنه يستطيع تنفيذ الرحلة بكفاءة أعلى. والمستودع الذي لديه مساحة غير مستغلة قد يخفض سعره في ذلك اليوم. والمورد الذي يريد تشغيل طاقة إنتاجية فائضة قد يقدم عرضًا خاصًا لكمية محددة. وشركة التأمين قد تسعّر العملية وفق سجل الأطراف ومخاطرها الفعلية، لا وفق سعر موحد للجميع.

بهذا يصبح السعر نتيجة سوق حية، لا قائمة ثابتة داخل تطبيق واحد.

والأهم أن الهامش سيصبح أكثر ارتباطًا بالقيمة الفعلية المقدمة. من يمتلك قدرة نادرة أو تنفيذًا موثوقًا أو سرعة أعلى يحصل على مقابل أكبر. أما من كان هامشه قائمًا أساسًا على احتجاز العميل داخل منصته، فقد يجد نفسه أمام ضغط حقيقي.

لا يعني ذلك أن الأسعار ستنخفض دائمًا. في أوقات الندرة أو الطلب المرتفع قد ترتفع، وربما بصورة كبيرة. لكن مصدر الزيادة سيكون أوضح: توافر محدود، أو سرعة مطلوبة، أو مخاطرة أعلى، لا مجرد قدرة المنصة على فرض عمولة لأنها الطريق الوحيد إلى العميل.

السوق الذي يركّب نفسه عند كل عملية

في الاقتصاد الحالي، تبني الشركة سلسلة الخدمة مسبقًا ثم تحاول بيعها إلى العميل. تتعاقد مع موردين محددين، وتضع نموذج تشغيل موحدًا، وتحدد باقات ثابتة، ثم تطلب من العميل الاختيار مما أعدته له.

أما في النموذج الجديد، فقد تتكون سلسلة الخدمة بعد ظهور الطلب.

لنفترض أن شركة تحتاج إلى نقل معدات بين مدينتين. يمكن أن يصل الطلب في اللحظة نفسها إلى عدة ناقلين، ومستودعات مؤقتة، وشركات تأمين، ومقدمي تمويل. ثم تتكون العملية من الناقل الأنسب لهذه الحمولة، والمستودع الأقرب إلى المسار، والتغطية الملائمة، وشروط الدفع التي تناسب الطرفين.

وفي رحلة أخرى قد تتغير جميع هذه الأطراف.

لن تكون هناك سلسلة توريد واحدة ثابتة، بل سلسلة تتشكل بحسب كل طلب.

هذا يفتح السوق أمام أصول وقدرات كانت خارج المنافسة. شاحنة لديها رحلة عودة فارغة، أو مستودع لديه مساحة ليومين، أو مصنع لديه طاقة غير مستخدمة، أو خبير لديه وقت متاح هذا الأسبوع؛ كلها يمكن أن تتحول إلى عروض قابلة للدخول في عملية أكبر.

اقتصاديًا، نحن لا نتحدث فقط عن تسهيل المقارنة. نحن نتحدث عن رفع قدرة السوق على اكتشاف الموارد غير المستغلة، وتسعيرها، وربطها بالطلب في وقت أقرب إلى اللحظة الفعلية للحاجة.

وقد يؤدي ذلك إلى استخدام أفضل للأصول، وخفض تكاليف البحث والتفاوض، وتقليل الفترات التي تبقى فيها القدرات معطلة. لكنه سيجعل السوق كذلك أسرع تقلبًا، وأكثر حساسية للسمعة والتوافر والبيانات الفورية.

التسويق لا يختفي.. بل يتغير من يجب إقناعه

جزء كبير من تكلفة المنصات اليوم يذهب إلى جذب المستخدم والمحافظة عليه: إعلانات، وعروض، ونقاط ولاء، وتنبيهات، وخصومات لأول طلب، وخصومات أخرى لأن المستخدم اختفى أسبوعين ولم يعد يفتح التطبيق.

إذا لم يعد العميل يبدأ رحلته من التطبيق، فقد تفقد هذه الأدوات جزءًا من قيمتها.

لن يكون على المطعم الصغير أن يقنع المستخدم بتنزيل تطبيقه، ولن يحتاج الناقل إلى بناء واجهة تنافس أكبر الشركات، ولن يحتاج مزود الخدمة إلى أن يصبح مشهورًا قبل أن يحصل على فرصة الظهور.

لكن التسويق لن يختفي. سيتغير الطرف الذي يجب إقناعه.

اليوم تسوّق الشركات للإنسان حتى يفتح تطبيقها. وفي الشكل القادم ستحتاج إلى جعل خدمتها جديرة بأن يختارها النظام الذي يمثل ذلك الإنسان.

ستصبح المنافسة أكثر اعتمادًا على عناصر يمكن قراءتها ومقارنتها: السعر، والتوافر، وسرعة التنفيذ، ونسبة الالتزام، وجودة النتائج، ومعدل الإلغاء، والشكاوى، وشروط الضمان، وموثوقية البيانات.

لن يكفي أن تقول الشركة إنها الأفضل. يجب أن تكون جودة خدمتها قابلة للإثبات.

وقد تنتقل ميزانيات كانت تنفق على الإعلانات إلى تحسين السعر، أو رفع جودة التشغيل، أو تقديم ضمان أقوى، أو بناء سمعة قابلة للتحقق، أو جعل الخدمة أسهل في الاكتشاف والطلب والتنفيذ.

هذا قد يمنح الشركات الصغيرة فرصة حقيقية. فمقدم الخدمة الذي لا يستطيع شراء انتباه الجمهور قد ينافس إذا كان عرضه أفضل وسجله موثوقًا. وقد يصبح السعر والسمعة والأداء أدواته التسويقية الأساسية.

لكن علينا ألّا نكون مثاليين أكثر من اللازم. فقد يظهر نوع جديد من الإعلانات تدفع فيه الشركات مقابل أولوية الظهور أو التوصية، كما قد تحاول تحسين ترتيبها أمام أنظمة الاختيار مثلما تحاول اليوم تحسين ترتيبها في محركات البحث والمتاجر.

وعندها لن ينتهي الصراع على الوصول إلى العميل؛ سينتقل فقط من شاشة التطبيق إلى منطق الاختيار خلفها.

من سيربح ومن سيفقد هامشه؟

هذا التحول لن يوزع المكاسب بالتساوي.

أكثر الأطراف تعرضًا للخطر هي الشركات التي تأتي معظم قوتها من امتلاك واجهة العميل، بينما يمكن استبدال قدراتها التشغيلية بسهولة. فإذا كانت قيمة المنصة الأساسية أنها جمعت المستخدمين داخل تطبيقها، فقد يصبح من الصعب عليها الاحتفاظ بالعمولة نفسها عندما يأتي الطلب من خارجها وتتنافس عليه عدة بدائل.

أما الشركات التي تملك قيمة حقيقية يصعب تكرارها، فقد تصبح أقوى. شبكة لوجستية كثيفة، أو قدرة عالية على التنفيذ، أو بيانات موثوقة، أو نظام قوي لإدارة المخاطر، أو ضمان يحظى بالثقة، أو ترخيص يسمح بتنفيذ خدمة حساسة؛ كلها قدرات ستظل مطلوبة حتى لو اختفت واجهة التطبيق.

قد تستفيد كذلك الأطراف الصغيرة التي كانت محجوبة خلف تكلفة التسويق والوصول. وقد يستفيد العميل من مقارنة أوسع وهوامش أقل وخدمات مصممة لحاجته. وقد يستفيد السوق عمومًا من تشغيل الأصول المعطلة ورفع المنافسة.

لكن هناك طرفًا جديدًا قد يربح أكثر من الجميع: الجهة التي تمثل المستخدم وتملك نقطة تكوّن الطلب. فهي تعرف ما يريده، ومتى يريده، وما ميزانيته، وما الذي يفضله، ثم تحدد الخدمات التي ستدخل المنافسة والعروض التي ستظهر له. وهذه ليست وظيفة تقنية محايدة؛ إنها موقع اقتصادي بالغ القوة.

الوسيط الذي لا نراه

هنا نصل إلى المفارقة الأهم.

إذا اختفت تطبيقات الوساطة من أمام المستخدم، فلا يعني ذلك أن الوسيط اختفى. قد يعني فقط أن وسيطًا جديدًا أصبح أقرب إلى المستخدم من جميع التطبيقات.

الواجهة التي تحمل هوية العميل وتفضيلاته ووسائل دفعه، وتفهم طلبه، وتطلب العروض، وتقارنها، ثم تقرر ما تعرضه عليه؛ ستكون بوابة الطلب الجديدة.

ومن يملك بوابة الطلب يستطيع أن يبني حولها نموذجًا اقتصاديًا كاملًا.

قد يطلب اشتراكًا من المستخدم ليعمل لمصلحته وحده. وقد يأخذ رسومًا على كل عملية. وقد يحصل على عمولة من مقدم الخدمة الذي فاز بالطلب. وقد يبيع أولوية الظهور. وقد يجمع بين هذه النماذج كلها، ثم يقدم لنا ذلك في فاتورة صغيرة لا نقرأ تفاصيلها كالعادة.

وقد نكتشف بعد سنوات أننا لم نلغِ عمولة تطبيق التوصيل أو الحجز أو التجارة، بل نقلناها إلى الجهة التي تختار لنا تطبيق التوصيل أو الحجز أو التجارة.

بل قد يصبح الوسيط الجديد أقوى من المنصات الحالية؛ لأن المنصة تعرف ما يفعله العميل داخلها، بينما الواجهة الجديدة قد تعرف احتياجاته عبر عدة قطاعات: ماذا يشتري، وأين يسافر، وما ميزانيته، وما مواعيده، وما الذي يرفضه، وما الذي يفضله حتى قبل أن يطلبه صراحة.

لذلك لا يكفي أن تكون الخدمة مريحة. يجب أن نعرف لمن تعمل هذه الواجهة فعلًا.

هل اختارت العرض لأنه الأفضل للمستخدم، أم لأنه الأعلى عمولة؟ هل تعرض السوق كاملًا أم الموردين المتعاقدين معها فقط؟ هل توضح سبب الاختيار؟ وهل يستطيع المستخدم تغيير المعايير أو مراجعة البدائل التي استُبعدت؟

كلما زادت قدرة الوسيط على العمل بدلًا من المستخدم، زادت الحاجة إلى معرفة الحوافز التي تعمل داخله.

سوق أكثر كفاءة.. وليس بالضرورة أكثر عدلًا

سهولة المقارنة واتساع المنافسة قد يخفضان الهوامش ويرفعان كفاءة السوق، لكنهما لا يضمنان نتيجة عادلة دائمًا.

قد تتحول بعض القطاعات إلى مزاد مستمر يدفع مقدمي الخدمات إلى خفض أسعارهم حتى حدود ضيقة. وقد تختزل الجودة في مؤشرات لا تعكس التجربة كاملة. وقد يصبح بناء السمعة عائقًا أمام الداخلين الجدد: كيف تحصل على أول طلب إذا كان النظام يفضل دائمًا من لديه آلاف العمليات السابقة؟

وقد تظهر أشكال جديدة من التمييز السعري. فالواجهة التي تعرف مدى استعجالك وقدرتك على الدفع قد تساعدك في الحصول على أفضل سعر، أو قد تستخدم المعرفة نفسها لعرض السعر الأعلى الذي تتوقع أنك ستقبله.

كما أن تفكيك العملية بين عدة أطراف يخلق سؤالًا عند الإخفاق: إذا تأخرت الشحنة، هل الخطأ من المورد أم الناقل أم المخزن أم النظام الذي جمعهم؟ ومن يعوض العميل إذا كان كل طرف قد نفذ جزءًا صغيرًا فقط؟

المنصات الحالية تأخذ هامشًا كبيرًا في أحيان كثيرة، لكنها تمنح العميل نقطة واحدة يرجع إليها. إذا أردنا تفكيك هامشها، فعلينا ألّا نفكك معه المسؤولية حتى تضيع بين الأطراف.

إذن، السوق الجديد يحتاج إلى أكثر من الربط والمقارنة. يحتاج إلى هوية موثوقة، وسمعة قابلة للنقل، ومدفوعات آمنة، وضمانات واضحة، وسجلات تنفيذ، وآلية عادلة لحل النزاعات.

هذه الطبقات قد تصبح هي الوساطة الحقيقية في المرحلة القادمة، وهي أيضًا المواقع الجديدة التي ستتكون حولها الأرباح.

ماذا يعني ذلك للشركات؟

الشركات التي بنت قوتها على امتلاك واجهة المستخدم يجب ألّا تفترض أن هذه الأفضلية ستبقى إلى الأبد.

المنافسة القادمة قد لا تكون على عدد مرات تنزيل التطبيق، بل على عدد المرات التي تُختار فيها الخدمة لتنفيذ مقصد. ولن تكون قيمة النظام في جمال واجهته فقط، بل في قدرته على تقديم معلومات دقيقة، وتسعير واضح، وتنفيذ موثوق، وربط سهل مع الواجهات التي يستخدمها العملاء.

على كل شركة تعمل كوسيط أن تسأل نفسها:

ما القيمة التي نقدمها إذا لم يعد العميل يبدأ رحلته من تطبيقنا؟

هل نملك قدرة تشغيلية حقيقية، أم نملك فقط بوابة الوصول إليها؟

هل يمكن طلب خدماتنا وتنفيذها من خارج واجهتنا؟

هل أسعارنا وتوافرنا وشروطنا قابلة للفهم والمقارنة؟

هل سمعتنا مرتبطة باسم منصتنا فقط، أم يمكن إثباتها في سوق أوسع؟

أي جزء من هامشنا يدفعه العميل مقابل قيمة حقيقية، وأي جزء نحصل عليه لأننا نتحكم في الطريق؟

ماذا يحدث لنموذجنا الاقتصادي إذا أصبحت عملية المقارنة شبه فورية؟

قد تكتشف بعض الشركات أن أهم ما تملكه ليس التطبيق، بل شبكة الموردين، أو القدرة التشغيلية، أو الثقة، أو التمويل، أو إدارة المخاطر. ويمكنها عندها تحويل هذه القدرات إلى خدمات تدخل في رحلات العملاء أينما كانت.

وقد تكتشف شركات أخرى أن معظم قيمتها كان قائمًا على إجبار العميل على دخول عالمها. وهذه هي الشركات التي يجب أن تقلق عندما تبدأ الخدمات بالدخول إلى عالم العميل.

خلاصة القول

لم تقتل التقنية الوسيط في المرة السابقة، بل غيّرت شكله وموقعه وحجم حصته.

انتقلنا من سمسار يعرف أطراف السوق إلى منصة رقمية تجمعهم داخلها. والآن قد ننتقل من منصة نزورها بأنفسنا إلى وسيط يفهم ما نريد، ثم يجمع لنا الخدمة من سوق كامل من دون أن نرى معظم أطرافه.

لن تختفي التطبيقات والأنظمة، لكنها قد تختفي من مقدمة الرحلة. ولن تختفي الوساطة، لكنها قد تتفكك إلى خدمات مستقلة ثم يعاد جمعها عند كل طلب. ولن تختفي الهوامش، لكنها ستتحرك من الأطراف التي تملك الواجهة إلى الأطراف التي تملك الطلب أو الثقة أو التنفيذ أو القدرة على ضمان النتيجة.

هذا هو البعد الأهم في التحول: ليست المسألة من يصمم أفضل تطبيق، بل من يملك الحق في الدخول إلى عالم العميل، ومن يقرر أي الخدمات ستدخل معه، ومن يحصل على حصته عندما تتحول نيته إلى عملية اقتصادية.

ربما يكون مستقبل التطبيقات الأكثر نجاحًا هو ألّا يضطر المستخدم إلى فتحها أبدًا. أما مستقبل الوسطاء، فلا يبدو أنه الاختفاء. يبدو أنهم يستعدون فقط لتغيير مقاعدهم حول المائدة.

مفارقة أخيرة!

تخيّل أنك قلت لمساعدك في المستقبل:

«ابحث لي عن أرخص خدمة، ومن دون أي وسيط يأخذ عمولة».

فيجيبك بعد ثوانٍ:

«تم العثور على أفضل خيار وتنفيذ الطلب بنجاح».

فتراجع الفاتورة وتجد بندًا إضافيًا بعنوان: «رسوم العثور على خدمة بلا وسيط».

عندها سنعرف أن الوسيط لم يمت، ولم يشبع أيضًا. لقد تعلّم فقط كيف يأخذ عمولته من دون أن يطلب منا

تحميل تطبيقه!

 

 

فريق أودل

المكتبة المعرفية

الرياض..

العودة لأفكار أودل